ما لا يمكن أن يُدرَك؛ يمكن أن يُترَك. فلسفة التخلي

ما لا يمكن أن يُدرَك؛ يمكن أن يُترَك. فلسفة التخلي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ما لا يمكن أن يُدرَك يمكن أن يُترَك

(ما لا يمكن أن يُدرَك؛ يُمكن أن يُترَك): هو عنوانٌ أومَضَ لي - في بعض ما قرأتُ- كالشهاب المتلألأ؛ فاقتَبستُ منه قَبسًا، ثم روَّيتُه بزيتٍ من التأمل، فربَت جذوتُه، وكادَ زيته يضئ ولو لم تمسسه نار. إن الحكمةَ كالسراج يومضُ الومضةَ الواحدة، فيعطيك ما يشبه قميصَ يوسفَ حين ألقي على وجه يعقوب؛ فارتد بصيرا. هذه الكلمة هي زُبدة التعافي حين يُوضَع في كبسولةٍ واحدة، وخلاصة الزهد حين يُحاك في جملة حكيمة: ما لا تستطيع أن تدركه؛ يمكنك أن تتركه. والكلام متوجه إلى العقل والقلب جميعا. فما لا يسع عقلَك فهمُه، ولا قلبك إدراكه؛ يسعهما التخلي عنه. من فضائل القلب؛ أن يتركَ ما لا قبل له بإدراكه، ومن محاسن العقل أن يدعَ ما لا طاقة له باستيعابِه. إن الآنيةَ صنعت بمقدارٍ لا يستوعب إلا ما جعلت له؛ ومن الفطنة ألا يُطلبَ من الطفل إدراك المسائل المستعصية، وألا يُناطَ بالسفينة التحكمُ في حركة الرياح، وألا يسألَ الكأسُ حملَ ماء المحيط؛ لأن ما زادَ على مقدار الكأس منه؛ هَدَرٌ وتضييع. إن في هاتين الجارحتين؛ القلبِ والعقلِ، ثُقبا مصنوعا من المحدودية في الاستقبال، فما زاد؛ اندلق وأُريقَ من هذه الثقوب. 

التعامل مع الحياة بقاعدة: ما لا يمكن أن يدرك> لا يمكن أيضا أن يترك؛ هو انتكاسٌ عقلي مَهيض! وهو تحميلٌ للسنن الكونية ما لا تحمله، ومحاولة للجمع بين المتناقضاتِ، لأنه يعني أننا لن نترك ما لا يمكننا الوصول إليه أبدا! وما الفائدة المترتبة على ذلك إلا كمن يلاحق قطارا يسير بسرعة ٢٠٠ كم في الساعة وهو يجري نحوه بسرعة ١٠ كم في الساعة، فهو لن يصل إليه من ناحية، ولن يقلص من المسافة بينهما من ناحية ثانية. ومن ناحية ثالثة - وهي أشقُّ ذلك على النفس- أن نفسَه سينقطع وهو يطارد المستحيل! 

أن تترك ما لا تستطيع  إدراكه: هي كلمة على سلاسة مبناها، عميقةٌ في معناها وفحواها؛ فهي تعني أن جنةَ الدنيا ليست في أنهارها وبروجها، ولا في أفنانها ومروجها، ولا في الإحاطةِ بدقائقها واكتناهِ جميع مغالِقِها والفوز بكل حظوظِها، ولكن في تلك المضغة المحفوظة بين جدران الصدر؛ القلب، وتلك التي تحت عظام الرأس؛ العقل. وكأنما شاء الله أن تكونَ هاتان الجارحتانِ كالمَلِكِ عندما يُجعَلُ له عريش يتَكَنَّفُه، فلا يخلص إليه العدو، وهو كذلك - أي القلب- مستودعٌ في قرار مكين كيلا تصل إليه سهام الشهوات ولا تثخنه رماح الرغبات. وكذا العقل محمي في قلعة محصنة هي الرأس لئلا يتهشَّم بينما يَركُضُ ساعيا أن يُحيطَ بكل شيء علما! 

راحة القلب في الترك أحيانا! 

إن اليأسَ أحيانا هو قمة الأمل! أو هو راحة القلب عند تجرده من كدر الرغبة المتأرجحة بين أمل وألم؛ أملٍ يطمع في النوال، وألمٍ يحصل من الخيبة. حتى إذا قررَ هذا المُتَأَلِّمُ أن يحز رأسَ الورمِ - ورمِ الشهوات المستعرة- من قلبه؛ فقد قُدرَ له الشفاء، وإن ظلَّ راغبا وطامعا؛ فقد أبى إلا أن يظل حائرا ومتأرجحا. فإن هو تخلى - عما لا يسعه إلا التخلي عنه- ثابَ إلى عهد القرار بعد التأرجح، والسكينة بعد اللوعة، والسلام بعدَ الحرب الناشبةِ بين جوانحه! فتراه وقد سَرَى النور في تقاسيم وجهه، وترقرقَ الرضا في محياه، كأنما يأبى إلا أن يُضَمِّخَ صفحة وجهه تماما كما هو ينبعث من قلبه. لأن المعاني القلبية تنعكس على الجوارح، كالذي يحدث عندما تنبلج الأسارير من فرحٍ، وتنقبض من حزن، وكما تزيغ الأعين من الفرَق كأن صاحبها يُغشى عليه من الموت، وتَقَرُّ ضاحكةً حتى تبدو النواجذ من الثغر الذي يحملها. 

إن السعي خلفَ الأماني التي لا تخضع لسلطان المنطق؛ يشبه الركضَ خلفَ السراب! وبلوغُ السراب ليس بلوغا، لأنه تبلغ بالعدم، لا يروي ظَمَئًا ولا يُنَظِّف ثَوبًا، ولا يُحيي أرضًا مَواتًا! فالأماني المستحيلة تشبه العدم لا في كونها غيرَ موجودة - بل إن وجودَها لدى البعض آكدُ مما يَتَجسَّسُه بين رَاحَتَيه! - وإنما في مآلها. فهي تشبه الشيء الذي يَتَوَهَّمُ طالبُهُ فيه النفاسةَ بينما هو محفوظ في علبةٍ موشَّاةٍ بأغلفة من الذهب، نُثِرَ عليها الزعفران والطيب؛ فهي تستثير الشَّمَّ بعبقها، والنظرَ بمرآها، والسمعَ بقعقعةٍ تصدر منها؛ فإن نزعَ عنها أرديتها فوجئ أنها علبة فارغة! ولسانُ حالِ مَن يطاردُ أشباحَ المُنَى، ويُوَنِّسُ القلبَ بأخيلةِ الوهم؛ كما قالَ الشاعر:

صُورةُ حسْنٍ صاغها لبُّه      وحدُّها في الحسن حدُّ الكمالِ

فصارَ كالطفل رأى بارقًا      هاجَ له أطماعُه فـــي المُــحَـالِ

فَسَارَ يَقفو إثرَها هَائِمًــا      والمُهتَدِي بالوَهمِّ جَمُّ الضَّلالِ 

 ما زَال يَعدو جُهدَه نَحوَهَا   حتى هَوَى من فوق تلك التلالِ

المقال لا يدعو إلى اليأس ولكن لمعرفة حقيقة النفس

هذا المقالُ لا يهدف إلى زرع اليأس في قلبك، ولكن إلى زرع الحكمة في التعاطي مع الأهداف والأحلام، وغرسِ الزهد فيما لا تملك الوصولَ إليه، وبَذْرِ الرضا حين تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. هو دعوةٌ إلى ترك الفضول من كل شيء، إلى القناعة حينَ لا تملك أدوات المحاولة، وإلى تقبل الواقع عندما تعجز الأدوات عن تغييره. فالسلام الحقيقي لا يحتاجُ إلى فائضٍ من المال؛ فهذا يؤججه، ولا إلى جاه وسلطان؛ فكلاهما يُحاربه، وإنما يحتاج إلى استغناءٍ يعني الغِنَى، واستعفافٍ يستجيشُ العفة، وقناعةٍ تُقَنِّعُ صفحةَ القلب من التشوف إلى الأعراض، لأنه متى استشرفَ لها استشرفته، ومتى تقنَّعَ منها فقد أغلقَ ألحاظَ قلبه من أن يُفتَنَ بها. فحقٌّ ما قيلَ؛ إن الغِنَى غِنى القلب. 

إن النفسَ لا تشبع، ومَثلُ الشهواتِ منها؛ كَمثل الحَطَب من النار، كلاهما يُؤجِّجُ على شاكلته، ومتى نُزع الفتيلُ خَمَدَ الاشتعالُ، ومتى غُذِّيَ أوقدَ في النفس نارًا لا يُطفئها الإمدادُ، بل يزيدها جفورا، فلا تنزوي إلا بماءِ القناعة؛ القناعةِ بما لديه من ناحية، والقناعة بأن النفسَ لن تشبع أبدا بالتعرض، بل بترك التعرض، ولن تكونَ غنية بامتلاك الكثير، وإنما بالاستغناء عن الكثير، ولن تَقرَّ عينُها بالطمع المترادف، والرغبات المتجددة، ولكن بغياب الرغبة أصلا في تلك المطامع! 

وبعدُ فهذا ليس تخذيلًا عن التخطيط وامتلاك أحلام وأهداف، ولا طعنًا في التطلع إلى المعالي. كما أنه ليس دعوةً للرضا بالسفاسف والقناعة بالدون؛ ولكنه نداء استغاثة يُدَوِّي في حنايا نفسِك كأنها تُوحي إليك قائلةً: [ناشدتكَ الله إلا ما رحمتني من طلب الكمال، أرجوكَ كُفَّ عن تعذيبي بهذا السيل الهادر من المطامع، فإن وراء كل مطمع خيبةً، وإثرَ كل فشلٍ سَوطًا أليما من الخذلان، ومن وراء كل رغبة رغبةٌ جديدة! كأنك تأبى إلا أن تجعلني دوما في موضع الأسد من الفريسة، لا يسكن طمعه؛ إلا أن تَسكُنَ هي بالموت، ثم يتجدد فيه طمعٌ آخر، فلا تراه إلا مُنقضًّا مُهاجما؛ كأنه مَطبوعٌ على التأهب والركض، فإن سَنَحَ له الاستجمامُ؛ فكأنما يُنَاهِضُ جِبِلَّتَه! أَما أنا - أيتها النفسُ المسكينة- فلستُ مطبوعةً على ذلك، فلمَ تُحملني ما لا احتمل؟] فكانَ هذا المقالُ رَدًّا على هذا النداءِ، وغَوثًا رَجوتُ أن أقدمه لنفسك الصارخة في أعماقك؛ أن حَنانيكَ بها! 

إن التخلي عن التطلع إلى القمة؛ أحيانا يكونُ السبيلَ الوحيد للوصول إليها! ولعل السر في هذا؛ هو أن القلبَ كالدينامو الذي يمد الجسدَ بالقدرة على الحركة، فإذا تعطل الدينامو بعارض من الإخفاقات المتكررة والخيبات المتتالية، أجهد السير الذي يحرك عجلاته، ثم يوشك أن ينقطع، فإذا انقطع فلا مناصَ من التوقف عن العمل. إن اشتعالَ الرغبة ليسَ دائما وقودا في تحقيقها، ولكنه أحيانا يكون كالثُّلمةِ فيها، تتقاطر بالعزم وتُهرق من وقود السير؛ فإذا نضبت؛ استحالَ الأملُ يأسا والرجاء خيبةً! أن تتركَ مَا لا تدرك يعني أن تأذنَ لنفسك بالتريث والاتئاد، أن تعيد شحنها بين الحين والآخر، أن تُريحَها من الركض المتواصل إلى هدنةٍ تعيد فيها ترتيب الأوراق، وهَدأةٍ تستنشقُ فيها عَبقَ الظفرِ بالبعض دونَ الكل، وتستمتعُ فيها بما تحقق دون الانتظار لتحقيق الجميع. 

وراحة العقل في الجهل أحيانًا! 

مع أن العقل مُصمَّمٌ على البحث والتنقيب واكتناهِ الأسرار وسَبر المَغاليق؛ إلا أن الإفراطَ في هذه الوظيفة قد يكون مَصدرَ شقائه. وهذا ليسَ عجيبا، بل هو سنة الجوارح والآلات جميعا. فالتعامل مع المحدود على اعتباره مطلقا؛ لا يَضرُّ بالفاعل وحده، ولكن يَضرُّ بهذا المحدودِ ابتداءً، بتحميله ما لا طاقةَ له على حمله. وهنا طريقتان لاستنزاف قوة الآلة المستعملة: الأولى أن يُسرَف في استعمالها في ذاتِ وظيفتها، والثانية؛ في تجاوز تلك الوظيفة وأن تُسَأَل القيامَ بشيء لم تُصنَع له. 

 فالمعدةُ مثلا مصممة على هضم الطعام، وحتى تستنزفَ طاقتها على الهضم والتقطيع؛ فأمامَك طريقان: إما أن تبالغَ في تناول الطعام (الذي صُنِعَت لِهَضمه)، وإما أن تُلقِمَها أحجارا وطُوبًا! وفي كلا الحالتين أنت تَعصِفُ بها! والعقل كذلك؛ يكفيك في الجَورِ عليه أن تُناشِدَه بالحصول على إجاباتٍ شافية عن كل ما يَعرضُ له، وهذا محال باتفاقِ جميع العقلاء. أو أن تُنيطَه البحثَ عما لم يصمم للبحث فيه! فالغيبُ - وهو ليسَ مما صنع العقل للبحث فيه- بالنسبة للعقل؛ كالأحجار من المعدة؛ كلاهما استعمال للآلة في غير موضعها. إن محاولةَ الفهم الكامل، ومسح مجريات الحياة مسحًا شاملا، لا يعني رحابةً في الأُفق، بل جُنوحًا في الخيالِ، ولا يعني ذكاءً متقدا، ولكن حماقةً مستترة في ثَوب النباهة! 

نأبى - على سبيل المثال - إلا أن نُفَتِّشَ في نوايا الآخرين، ونبحث في ثنايا الكلماتِ عما لم يُذكَر، ونجتهد في التنقيب في ذاتِ الصدور، وتحليل بواطنِ الناس.. وننسى أن هذا مجاوزةٌ لحد الاعتدال، وإقحامٌ للعقل في غير وظيفته. نريد أن ندرك بالتفصيل لماذا جَرَت الأمور على هذا النحو، لماذا لم تكن بخلاف ذلك، لماذا تخلفت النتائج وتأخر النجاح؟ بل وأحيانًا يستطيرُ بنا الجموح لنتسائل: لماذا لم يستجب الله دعاءنا؟ لماذا طالَ الصمتُ الإلهي عن التدخل في المشهد كأنه - سبحانه وحاشاه- غائب؟ لماذا أصيب فلان بالمرض وهو رجل تقي صالح؟ ولماذا تبتسم الحياة في وجه ذلك العتل الأثيم؟ ما الحكمة في إسقام الصبي وذبح الحيوان؟ لماذا الكوارث والزلازل والفيضانات والبراكين؟ لماذا تستطيل مراكز القوة على الضعفاء؟ باختصارٍ؛ لماذا يُوجَد الشر في هذا العالم؟ 

والجواب عن كل ذلك في كلمة واحدة: هذا ليس من شأنك، أنت لم تُكلَّف هذا ولا هو وظيفة عقلك، وإنما كُلِّفتَ أن تُسَلِّمَ للحكمة المطلقة التي تُحكم قبضتها على العالم، وأن تستيقن أنها قوة حاضرة غير غائبة عن المشهد. أما سَبرُ الغيب الذي جعله الله حكرا عليه وحده؛ فليس من العقل في شيء! 

أحيانا نحتاج إلى السماح لعقولنا بمساحة من الجهل؛ لأنه هو رأس العلم، وأن نُميطَها عن أن تحومَ حول حِمَى الملك؛ لأن ذلك من تمام السلامة، وأن ندرك أن الحكمةَ مخبوءةٌ تحت سترٍ رقيقٍ من التسليم؛ لا يزيدها تمزيقه إلا جهلا بها وغيابا عنا، وأن الغُموضَ جزء من المعنى! إن مَبدأَ التكليفِ الذي تقوم عليه الحياة يستوجبُ أن تُحجَبَ الحكمةُ أحيانا، لا لنقصٍ فيها، ولكنٍ لنقصٍ في العقلِ الذي يحوم حولها، ولأن ظهور الحكمة بإطرادٍ يقدَحُ في معنى التكليف أصلا! في هذه المساحة الضبابية؛ لا يكون الجهلُ جهلا بمعناه القبيح، بل يكون علما بحقيقة النفس وحدود العقل. يقول أبو الطيب: 

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله       وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

هل تعلم متى تتبَرَّجُ الحقيقة كأنها ومضة نبذت من نور البرق في غسق الدجى؟! عندما نَرُدُّ المقيدَ إلى المطلق، والمحدودَ إلى ما لا يُحدُّ. عندما ندرك أن وراءَ الظواهر المجدبة من الحكمة؛ بواطنَ متخمةً بالحكمة، وأن تواري الحكمة لا يعني غيابَها، ولكن يعني - حَسبُ- أن العقولَ مُصفدة عن إدراكها، وأن خَلفَ كل مجهولٍ علما يلم بالتفاصيل والدقائق؛ وهو علم الله تعالى. 

عندما سألَ الناسُ رسول الله عن الروح؛ جاء الرد من السماء: قُل الروح من أمر ربي، وعندما سألوه عن الساعة أيانَ مرساها؛ أجابهم الله أيضا: علمها عند ربي. فتلكَ الغيوبُ وأترابُها لا حيلةَ للعقل فيها، ثم إن علمَها - لو افترضنَا جوازَ ذلك- ليسَ علما نافعا، بل هو من العلم الضار، وفوقَ ذلك فهو افتئاتٌ على معنى التكليف والابتلاء الذي يقوم على التسليم عند تعذر اكتناه الحكمة. إن افتراضَ أن يكونَ أجل الإنسان وميعاد منيته على سبيل المثال مَعلوما؛ يستلزم هذه اللوازمَ السقيمة: فهو محاولة للنظر بعين الله تعالى! وهو مفسدةٌ لمعنى التكليف، وهو علم ضارٌّ يَفتُّ في عضد مَن يعلم أنه سيموت يوم كذا! 

تخيل أنك كنت حاضرا عند مجمع البحرين، مع موسى عليه السلام وهو يمشي إلى جوار الخضر، فإذا بالأخير يَخرِقُ سفينةً لمساكينَ يعملونَ في البحر، ثم يقتل غلاما أمردا يرتع في ملاعب الصبا لأبوين صالحين طالما تمنياه، ثم يُساعد حفنةً من اللئام في بناء جدارٍ كاد أن ينقض عليهم فأقامَه! هنالك حيث تبدو الأفعال عَبَثًا وليست كذلك، ولكن وراءَ الظاهر سيناريوهات كاملة لا ندري عنها شيئا. فإن المشهودَ من هذه الأمور يقتضي ألا تُخرقَ السفينة لأن ظاهرُه الظلمَ، ولا أن يُقتلَ طفلٌ لم يقترف ذنبا لأن في ذلك معنى الجريمة خالصا! ولا أن يُساعد قوما لئاما لأنه يبدو فعلا سخيفا! 

 هنا لا تكون المشكلة في الغيب؛ ولكن في اعتبار الغيب عَدَمًا، والحقُّ أنه ليس وراءَه إلا تدبيرٌ حكيم وعلم محيط! يمكننا أن نشبه الأمر برجلٍ أعمى ينقم على أبنائه كسلَهم وتقاعسَهم؛ فقط لأنه لا يرى سَعيَهم وحراكَهم! ويلومُ لألاءَ السراج الساطع لأنه لا يُبصره! فكذا مَن يطلب من العقل الأعمى أن يرى ما خَلفَ ستارِ الغيب! والذي يتطلع لمعرفة ما لم يُخلَق لمعرفتِه، ويتقطع طلبا لما يضره ولا ينفعه! 

إن موسى عليه السلام لم يصبر على هذه المنَاكير قبلَ أن يُنَبَّأَ بتأويلها، وهي لا تعدو أن تكونَ مناكيرَ عند النظر إلى الصورة قبل تمامها، والمشهد قبل اكتماله، تماما كما يبدو الجنينُ في أطوارِه الأولى قطعةَ لحمٍ ممسوخة الملامح؛ فإذا تَمَّ خلقُه تألقَ حسنا وجمالا. الحكم على الأشياء بما يظهر منها لا يُنافي الإنصافَ وحسب، بل يَقدَحُ في الحكمة أيضا! 

والصوابُ في مثل هذه الحالات؛ هو أن نتعلم فنَّ التخلي، ونُتقِنَ فن الترك. فإذا عرضَ لنا من الأمور ما يتعطَّشُ العقل للتقحِّم فيه؛ فَعلينا - قبلَ أن نأذَنَ له بالولوج- أن نسأل: وما جدوى معرفة ذلك؟ فإن كان الجوابُ لا شيء؛ فإن الإحجامَ خيرٌ من الإقدام، والترك أولى من الأخذ. ينبغي أن نختارَ المعاركَ العقلية تماما كما نختارُ معارك السلاح؛ لاسيما والأخيرة تُفرَضُ علينا فرضا، بينما نحنُ أصحاب القرار في الأولى! وسيكون الترك حينئذٍ هو عين الإدراك. لأننا سنكون قد حققنا إدراكا نافعا؛ إدراكًا بأنَ بعضَ الآلام لا تبرأ بالفهم ولكن بالنسيان والتغافل، وبأنَّ من الأحداث أحداثا لا يُجلِّيهَا التأويل، بل يُفسرها النُضجُ وإن كان يَتَشَحَّطُ في دماء الاستسلام، وبأن بعضَ الأسئلة لا يكون جوابُها تفسيرَها؛ بل ترك المخاضةِ فيها والتخلي عن الإلحاح عليها حتى تَذبُل! 

الخلاصة

التخلي عن بعض ما لا يمكنك إدراكه ليس بالضرورة عجزا، بل هو حكمة بالغة. وكف العقل عن السعي وراء الغوامض ليس دائما حماقة؛ بل هو حنكة سابغة. يمكننا أن نعيشَ بسلام دونَ أن نلبي كل رغباتنا، وأن نظلَّ آمنينَ وإن لم نخلص إلى الوجه الغائب من المشهد عن عقولنا. فالراحة والسعادة ليسَا بالضرورة في الامتلاك ولكن في قناعة النفس، وزهادَتِها في الامتلاك. (ما لا يمكن أن يُدرَك يمكن أن يُترَك) ليست دعوةً إلى الفقر بإقناع القلب أن الفقرَ أفضل من الغنى، ولا دعوةً إلى الجهل بإقناع العقل أن الجهل خير من العلم، بل هي دعوة إلى التوازن، ووضع الأمور في نصابها. فما لا يمكن أن يُدرَك، هي جملةٌ تحمل قيدا خفيا في طيها وهو عدم الإمكان، والذي يعني الاستحالة، ولا ريبَ أن ابتغاء المحالات ليسَ من العقل في شيء. فعندما تصلُ الأمور إلى حد الاستحالة؛ فإن مطاردَة السراب ضربٌ من الخَبَل. 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Abdelhameed Moustafa تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.